ابن بسام
327
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ومنهم الوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي « 1 » وهو أيضا من شلب ، ومن ذلك الأفق طلعت نجوم الكلام ، فأضاءت البلاد ، ونشأت غيوم النثار والنظام ، فطبّقت الهضاب والوهاد ؛ إلا أن حسّانا « 2 » هذا وصاحبيه أبوي بكر : ابن عمار وابن الملح كانوا هنالك رؤساء الأمّة ، ورؤوس إجماع الأئمة ، ونجمت دولة المعتمد ابن عباد بتلك البلاد وهم أغصان دوحة ، وأخدان غدوة إلى طلب العلم وروحة ، يتدارسون / آياته ، ويتبارون « 3 » إلى أبعد غاياته ، ولكلّ دليل في السّنا مشتهر ، وسبيل إلى العلياء مختصر . ونهض تصريف المقدار منهم بابن عمار ، فشبّ عن طوقه ، بالحمل وأوقه « 4 » ، وبلغ المبلغ الذي استغنى باشتهاره عن تكراره ، وتبعه هذان في الانقطاع إلى الدولة ، يحسبان كلّ بيضاء شحمة « 5 » ، ويتخيّلان كلّ ضوء نجمة ، وللّه في بريّته أقدار يمضيها ، ومن مشيئته أسرار يتفرّد بها فيخفيها ؛ فلم يحصلا إلّا على لبس ما خلع [ 84 أ ] والارتسام حيث أشار ووضع ؛ فأمّا ابن الملح فإنه نفر نفرة الأنف ، وفرّ فرار الحنق الأسف ، مؤثرا للانزواء ، على الاستخذاء ، مكتفيا بالدّون ، من التصرّف على الهون ، وكانت له خلال ذلك مدائح يهديها ، ورحل إلى الحضرة يحمل على نفسه الأبيّة فيها ، فيطرأ جديدا ، ويصادف عهدا بها بعيدا ، فيئوب ضخم العياب ، محمود المقام والإياب . وأما حسّان هذا فصدق الحملة ، ولزم الجملة ، مغتبطا « 6 » بما خوّل ، جاعلا نفسه حيث جعل ، ورضي من ابن عمّار بوطء عقبه ، ولزوم مركبه ، وابن عمّار يرعاه لمكانه ، ويخاف انتباه المعتمد لشأنه ، حتى زاحمه أخيرا بالأديب أبي محمد عبد الجليل ،
--> ( 1 ) انظر : المغرب 1 : 385 ، والمسالك 11 : 428 ( وفيه نقل عن الذخيرة ) ورايات المبرزين : 27 ( غ ) ، والخريدة 2 : 91 ، 3 : 588 ( ط . تونس ) ، والنفح 4 : 307 ؛ ولفظة « حسان » سقطت من م س ط ل . ( 2 ) في الأصول : حسان ؛ وقد اضطرب الاسم فجاء حينا مصروفا وحينا ممنوعا من الصرف ، وهذا جائز فيه ، لأنه إن كان من « حسن » كان مصروفا لأصالة النون فيه ، وإن كان من « حس » كان ممنوعا من الصرف لأن النون فيه زائدة ؛ ولكني أجريت ما جاء في هذا النص على سياق واحد ، أي اعتبرته مصروفا . ( 3 ) م : ويتبادرون . ( 4 ) الأوق : الثقل . ( 5 ) ناظر إلى قول الشاعر : وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة * عشية لاقينا جذام وحميرا وهو من المثل : ما كل بيضاء شحمة ( الميداني 2 : 169 ، والعسكري 2 : 287 تحقيق أبو الفضل ، وانظر ما تقدم ص : 114 ) . ( 6 ) مغتبطا : سقطت من م .